مركز الأبحاث العقائدية
347
موسوعة من حياة المستبصرين
بل لا بدّ مع ذلك من انتفاء وجوه المفاسد منها ، فَلِمَ قلتم بانتفائها ؟ ولِمَ لا يجوز اشتمالها على نوع مفسدة لا نعلمها ؟ ( 1 ) وحينئذ لا يمكن الجزم بوجوبها عليه تعالى . وأمّا صغراه : فلأنّا نمنع كون الإمامة لطفاً مطلقاً ، بل إذا كان ظاهراً مبسوط اليد جاز الانزجار عن المعاصي ، والانبعاث على الطاعات إنّما يحصل بظهوره وانبساط يده وانتشار أوامره ، لا مع كونه خائفاً مستوراً . والجواب عن الأوّل ( 2 ) : أنَّا نختار أن الإمام لطف لا يقوم غيره مقامه ، كالمعرفة بالله تعالى : فإنّها لا يقوم غيرها مقامها ، والدليل على ما قلناه أنّ العقلاء في سائر البلدان والأزمان يلتجئون في دفع المفاسد إلى نصب الرؤساء دون غيره ، ولو كان له بدلٌ لالتجؤوا إليه في وقت من الأوقات أو بلد من البلدان . وعن الثاني ( 3 ) : أنّ وجوه القبح والمفاسد معلومةٌ محصورةٌ لنا ، وذلك لأنّا مكلّفون باجتنابها ، والتكليف بالشيء من دون العلم به محال ، وإلاّ لزم تكليف ما لا يطاق ، ولا شيءَ من تلك المفاسد موجودةٌ في الإمامة . وفي هذا الجواب نظرٌ ( 4 ) : فإنّه إنما يصلح جواباً لمن قال بوجوبها على الخلق " كأبي الحسين " ( 5 ) ، لا لمن قال بوجوبها على الله تعالى كأصحابنا ، فإنّه إنّما
--> 1 - ورد التلميح بكون الإمامة مشتملةً على مفسدة - بناءاً على أنّ العقل يقضي بقبحها - في بعض كتب الزيدية كمقدِّمة لوجوبها الشرعي ، الذي يحفظها من المفسدة . راجع : ينابيع النصيحة : 250 . 2 - وهو الإشكال على " لطفيّة الإمامة " بأنّها لا تجب إذ أن غيرها يمكن أن يقوم مقامها . 3 - وهو الإشكال ب " لم لا يجوز استعمال الإمامة على وجه قبح لا يعلمونه " . 4 - هذا النظر للسيّوري شارح متن " نهج المسترشدين " . 5 - أبو الحسين عبد الرحيم بن محمد بن عثمان الخيّاط ( م - 311 ) شيخ المعتزلة البغداديّين من نظراء الجُبّائي ، كان من بحور العلم ، ترجم له " القاضي عبد الجبّار " في " فضل الاعتزال " وقال : " كان عالماً فاضلاً من أصحاب جعفر ( بن مبشر الثقفي المتكلم ) وله كتب كثيرة في النقوض على ابن الراوندي وغيره ، من أشهر كتبه " الانتصار " ردّ فيه على كتاب " فضيحة المعتزلة " لابن الراوندي ، وله آراء شنيعة في حق الشيعة . انظر ترجمته في : سير أعلام النبلاء : 14 / 220 ، الأعلام : 3 / 347 ، بحوث في الملل والنحل : 3 / 284 .